ابن عجيبة

191

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم برهن على وجوده ، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور ، فقال : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ طباقا متفاصلة مرفوعة بغير عمد ، وما اشتملت عليه من الكواكب والبروج والمنازل ، وفي الْأَرْضِ وما اشتملت عليه من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وأنواع الثمار ، وفي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالطول والقصر ، أو تعاقبهما بالذهاب والمجيء ، ( و ) في الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل ، متلبسة بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من التجارة وغيرها . وقال البيضاوي : القصد الاستدلال بالبحر وأحواله ، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ؛ ولذلك قدّمه على ذكر المطر والسحاب ، لأن منشأهما منه في الغالب . ه . ( و ) في ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من غير ظهور مادة سابقة ، بل تبرزه القدرة من عالم الغيب قريب عهد باللّه ، ولذلك ( كان عليه الصلاة والسلام يتمطّر ) أي : ينصب وجهه للمطر إذا نزل تبركا به ، فَأَحْيا الحق تعالى بذلك المطر الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ويبسها ، بالنبات والأزهار وأصناف النّوار والثمار ، وفيما نشر فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ من النملة إلى الفيلة ، ( و ) في تَصْرِيفِ الرِّياحِ وهبوبها من جهات مختلفة ، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات مختلفة ، ملقّحة للشجر وعقيم وصر « 1 » ، وللنصر والهلاك ، ( و ) في السَّحابِ الْمُسَخَّرِ أي : المذلّل بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا يسقط ولا يرتفع ، مع أن الطبع يقتضى أحدهما ، أو مسخر للرياح تقلّبه في جو السماء بمشيئة اللّه لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . أي : تلك المخلوقات آيات دالة على وحدانيته تعالى وباهر قدرته ، و لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . وفي الآية حضّ على التفكر ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها » « 2 » ، . أي : لم يتفكر فيها ، وفيها دلالة على شرف علم التوحيد العام والخاص . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال الجنيد : ( التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم ، ويكون اللّه كما لم يزل ) . قلت : وهذا هو التوحيد الخاص ، أعنى توحيد أهل الشهود والعيان . ثم قال : ( وأصوله خمسة أشياء : رفع الحدث ، وإثبات

--> ( 1 ) ريح صر وصرصر : شديدة البرد . ( 2 ) لم يرد هذا الحديث في شأن هذه الآية ، وإنما ورد في شأن قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ) الآية 190 من سورة آل عمران . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ( الإحسان : كتاب الرقاق : باب التوبة 2 / 10 ) مطولا عن السيدة عائشة رضي الله عنها .